الشيخ محمد علي الأنصاري
237
أهل البيت ( ع ) امامتهم حياتهم
ويحكم عدلًا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه . يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته . كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب . كان واللّه كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلّمه هيبة له ، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم . يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد باللّه ، لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، يميل في محرابه قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا ، يا ربّنا - يتضرّع إليه - ثمّ يقول للدنيا : إليَّ تغرّرت ؟ ! وإليَّ تشوّفت ؟ ! هيهات ! هيهات ! غرّي غيري ، قد بتتُّكِ ثلاثاً ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير . آهٍ ، آهٍ من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ! فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمّه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبو الحسن رحمه اللّه . كيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقأ دمعتها ، ولا يسكن حزنها ، ثمّ قام فخرج » « 1 » . كانت هذه بعض صفاته الحميدة وهي كثيرة ، لا يسعنا التعرّض لها ، ولذلك اكتفينا بالمقدار الذي ذكرناه ؛ لبناء الكتاب على الاختصار ، ونعترف بالقصور عن
--> ( 1 ) حلية الأولياء 1 : 84 - 85 .